1. إن العميد بويْديل ولد هميد — أطال الله في عمره — شخصية سياسية ذات مكانة وطنية مرموقة، تحظى باحترام عدد كبير من الموريتانيين، وخاصة الحراطين. وهو يُعدّ، دون شك، من أبرز رواد نضال الحراطين من أجل حريتهم وتمكينهم.
ويُعتبر من أبرز تجليات فكرة “البيظانية” لدى الحراطين، وهي الفكرة التي اختبرها بنفسه عبر تأسيس حزب سياسي وخوضه انتخابات رئاسية. وقد شكّل حلّ ذلك الحزب، إلى جانب النتائج التي حصل عليها في الانتخابات الرئاسية، حكمين رمزيين ودالّين على واقع هذه “البيظانية”.
غير أن هذين الحكمين يظلان متباينين في دلالتهما: فبالنسبة للبيظان، لا تعني بيظانية الحراطين سوى إدماجهم واحتوائهم؛ أما بالنسبة للحراطين، فإنها باتت تتراجع وتتآكل مع تطور وعيهم السياسي والتاريخي.
2. كان من الأجدر بالحكمة التي يتمتع بها العميد بويْديل ولد هميد أن تدفعه إلى إدراك هذا التحول، وإلى التساؤل عن الأسباب العميقة لتراجع هذه “البيظانية” لدى الحراطين التي ما زال متشبثًا بها، وأن يواكب هذا التحول المجتمعي الذي أصبح حتميًا، لا لمعارضته بل للتخفيف من توتراته وآثاره.
3. يمكن تفهّم أن هذه المواقف تبدو له، بحكم سنّه ومساره السياسي، أكثر أمانًا وانسجامًا مع إرثه. غير أنه من الحكمة والبصيرة أن يضع في الاعتبار أن جيلًا جديدًا من البيظان والحراطين قد برز اليوم، لم يعش تلك البنية الاجتماعية القديمة التي لا يزال متشبثًا بها. وهذا الجيل مطالب بأن يتعلم العيش، لا في إطار روابط انتماء موروثة، بل كمواطنين تربطهم أشكال جديدة من الترابط، تمهّد لمواطنة كاملة وفعّالة.
إن العميد بويْديل ولد هميد يدرك جيدًا أنه، باستثناء قلة نادرة من الحراطين الذين، مثله، نالوا حياة كريمة داخل المجتمع البيظاني التقليدي، فإن هذا الأخير ظل في جوهره يشكّل بنية حاضنة للعبودية، وشبه العبودية، ولإقصاء الأغلبية الساحقة من الحراطين.
إن استكمال تحريرهم وتمكينهم يقتضي إمّا استقلالهم السياسي عن هذا القيد، أو قيام مجتمع جديد أكثر إنسانية وعدلًا ومواطنة.
كما أن قيام جمهورية حقيقية، ودولة قانون، ومواطنة فعلية، لا يمكن أن يتحقق على أساس بنية اجتماعية شبه عبودية تُنتج في ذاتها أشكالًا من العبودية المُمأسسة.
كلا، إن الاستقلال السياسي للحراطين ليس دعوة إلى الانقسام أو الانفصال، بل هو مرحلة طبيعية في تطور مجتمعنا: حتمية، ضرورية، ومفيدة.
وهو أيضًا ليس، كما قال الرئيس بيرام الداه اعبيد في انفعالٍ خطابيّ غير موفق، “مطالبة رجعية”.
وفي إطار سعيه المشروع إلى توسيع قاعدته الانتخابية — وهو أمر مفهوم ومشروع — لا حاجة به إلى أن ينفي، في كل مرة، صفة القيادة الحراطينية عنه، في حين أن التمثيلية الحراطينية تشكّل في الواقع مصدر شرعيته الأول وسببًا رئيسيًا لصعوده السياسي.
إن الموريتانيين ليسوا سُذّجًا؛ إنهم يدركون ذلك جيدًا، ويستخلصون منه ما يشاؤون: إما أن يتبنّوه أو أن يعاقبوه انتخابيًا.
وإذا جاز لي تقديم نصيحة له، أذكّره بمثلٍ يعرفه جيدًا، وهو ابنُ شمامة:
«لا ينبغي أن يُترك السمك الذي في اليد بحثًا عن سمكٍ آخر لا يزال تحت القدم في الماء.»
محمد داود إميجن
28 مايو 2026
