الرقّ وقضية الحراطين في موريتانيا: بين الإرث التاريخي والمواطنة ومتطلبات العدالة

ضية تقاوم الإنكار والقراءات التبسيطية
هناك قضايا تعبر الأجيال دون أن تغادر فعليًا الفضاء العام. فهي تغيّر لغتها، وتتنقل بين النقاشات السياسية، وتظهر مجددًا في أشكال جديدة، لكنها تستمر بصمت في الإقامة داخل البنى العميقة للمجتمعات. وتندرج قضية الرق وقضية الحراطين في موريتانيا ضمن هذه الحقائق التاريخية التي لا تزول آثارها لا بفعل الزمن وحده، ولا بمجرد الإعلانات المؤسسية.
ولا شك أن هذه القضية تُعد من أكثر القضايا حساسية وإثارة للنقاش، بل ومن أكثرها عرضة لسوء الفهم في السجال الوطني. وغالبًا ما تنقسم المواقف المتباينة بشأنها إلى قراءتين متعارضتين؛ فمن جهة، يرى بعضهم أن القضية أصبحت جزءًا من الماضي بحجة أن الدولة اعتمدت نصوصًا قانونية وأقامت آليات مؤسسية لمحاربة ممارسات الرق. ومن جهة أخرى، يميل البعض أحيانًا إلى جعل هذه القضية التفسير الوحيد لجميع الانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
غير أن الواقع بين هذين الموقفين أكثر تعقيدًا؛ فهو واقع مجتمع لا يزال يسعى إلى بناء قراءة واعية ودقيقة ومتوازنة لإرثه التاريخي.
فلا توجد أمة تبني مستقبلها بصورة مستدامة على إنكار ماضيها، كما لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى أسيرًا لتاريخه. فالقضية ليست قضية نسيان أو تحميل مستمر للمسؤولية، بل تتعلق أساسًا بالقدرة الجماعية على فهم الكيفية التي تستمر بها بعض البنى الموروثة في التأثير على الواقع المعاصر.
إن الرق ليس ظاهرة موريتانية خاصة. غير أن الأشكال التاريخية التي اتخذها داخل البلاد ما تزال تثير اليوم تساؤلات عميقة حول جودة المواطنة، والمساواة أمام القانون، والاعتراف الفعلي بالكرامة الإنسانية.
وفي صميم هذه الإشكالية تظل قضية الحراطين حاضرة بقوة.
1. الإرث التاريخي: بين الظاهرة الكونية والمسار الموريتاني
يوضح المؤرخ بول إي. لوفجوي، المتخصص المعروف في تاريخ الرق في إفريقيا ومدير معهد هارييت توبمان للبحث في إفريقيا وشتاتها بجامعة يورك، في كتابه المرجعي Transformations in Slavery: A History of Slavery in Africa (دار نشر جامعة كامبريدج، الطبعة الثالثة، 2012)، أن الرق لا يمكن اختزاله في مجرد علاقة فردية بين سيد وعبد. فبحسبه، يمثل أيضًا نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا شكّل علاقات السلطة على امتداد قرون وفي حضارات مختلفة.
وتساعد هذه المقاربة على تجنب خطأين شائعين: اعتبار الرق خصوصية موريتانية حصرية، أو اختزاله في حدث تاريخي انتهى بشكل نهائي.
وفي الحالة الموريتانية، ارتبط الرق ببنى اجتماعية أنتجت أحيانًا تراتبيات مستمرة وعلاقات تبعية وبعض التصورات الجماعية التي امتدت عبر أجيال متعددة.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إدانة مجتمع بأكمله، ولا تحميل الأجيال الحالية مسؤولية تاريخية دائمة. فالتاريخ ليس محكمة؛ بل هو قبل كل شيء أداة لفهم الحاضر.
2. الإلغاء القانوني: بين القطيعة المؤسسية والحدود العملية
عملت موريتانيا تدريجيًا على بناء إطار قانوني يهدف إلى القطع مع الممارسات الاسترقاقية.
فقد أعلن الأمر القانوني رقم 81-234 الصادر بتاريخ 9 نوفمبر 1981 الإلغاء الرسمي للرق.
كما جرّم القانون رقم 2007-048 الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 2007 الممارسات الاسترقاقية.
وصنّف القانون رقم 2015-031 الصادر بتاريخ 10 سبتمبر 2015 الرق بوصفه جريمة ضد الإنسانية، وأنشأ محاكم متخصصة للنظر في قضاياه.
وتشكل هذه النصوص قطيعة قانونية مهمة تهدف إلى إدماج البلاد في المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
غير أن غولنارا شاهينيان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بأشكال الرق المعاصرة، أكدت في تقريرها المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان عقب بعثتها إلى موريتانيا سنة 2010 أن وجود القوانين لا يضمن تلقائيًا تطبيقها الفعلي. فالمسألة الأساسية تتعلق أيضًا بحماية الضحايا، وضمان الوصول إلى العدالة، وتعزيز الوعي المؤسسي، وإحداث تحول في البنى الاجتماعية التي تستمر في إنتاج بعض أشكال التبعية.
لذلك تظل التفرقة بين الإلغاء القانوني والاختفاء الفعلي لعلاقات الهيمنة أمرًا جوهريًا.
3. الحراطين: بين الإرث الاجتماعي والهشاشة المستمرة والمواطنة المؤجلة
إن اختزال قضية الحراطين في مجرد امتداد تاريخي للرق يعني اختزال ظاهرة معقدة في بعدها التذكاري وحده.
وتطوّر المؤرخة الكندية إي. آن ماكدوغال، المتخصصة في مجتمعات الساحل والتاريخ الاجتماعي الموريتاني، هذه الفكرة في أعمالها المتعلقة بالحراطين، وخاصة في كتاب The Haratine of Mauritania: Kin, Client and Class. ويبين تحليلها أن الانتقال من وضعية العبودية إلى الحرية القانونية لا يؤدي تلقائيًا إلى قطيعة اجتماعية كاملة، إذ يمكن للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية أن تستمر في صور أخرى، مثل علاقات الزبونية والتبعية الاقتصادية وعدم تكافؤ الوصول إلى الموارد.
ويتقاطع هذا التحليل مع أعمال عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي أوليفييه ليسرفوازييه في دراسته إرث الرق في المجتمع الهالبولاري بموريتانيا، حيث يوضح أن بعض الوصمات التاريخية قد تستمر في التمثلات الاجتماعية والعلاقات الزوجية وبعض آليات الاندماج.
ومن ثم فإن قضية الحراطين تتجاوز إطار الماضي بكثير، إذ تطرح تساؤلات حول شروط الحراك الاجتماعي، والاعتراف الفعلي، والمواطنة المكتملة.
4. إعادة الإنتاج الاجتماعي واللامساواة البنيوية: عندما يعمل التاريخ بصمت
إن اللامساواة التاريخية لا تستمر فقط من خلال آليات الهيمنة الظاهرة، بل قد تعيد إنتاج نفسها بصورة صامتة.
وفي كتاب إعادة الإنتاج: عناصر لنظرية نظام التعليم يوضح بيير بورديو وجان كلود باسرون أن المجتمعات تمتلك آليات تسمح بانتقال اللامساواة بين الأجيال. فالمدرسة والشبكات الاجتماعية والرأسمال الثقافي وبعض التمثلات الجماعية قد تسهم في إعادة إنتاج المواقع الاجتماعية.
ويجد هذا الطرح امتدادًا له في كتاب رأس المال في القرن الحادي والعشرين لتوماس بيكيتي، الذي يبين أن اللامساواة المتراكمة تاريخيًا تميل إلى الاستمرار ما لم تتدخل سياسات عامة تصحيحية.
وعند إسقاط هذه التحليلات على السياق الموريتاني، فإنها تساعد على فهم الكيفية التي يمكن أن تستمر بها بعض الهشاشات التاريخية في إنتاج آثارها في الولوج إلى الموارد والفرص الاقتصادية ومجالات صنع القرار.
5. مواطنة غير مكتملة ووصول متفاوت إلى الحقوق
لا تختزل المواطنة في الاعتراف الإداري أو القانوني، بل تشمل أيضًا الإمكانية الفعلية لممارسة الحقوق.
وتوضح الفيلسوفة السياسية سيلا بن حبيب في كتابها The Claims of Culture: Equality and Diversity in the Global Era أن المواطنة الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود حقوق شكلية، وإنما أيضًا بالقدرة الحقيقية للأفراد على المشاركة في الحياة العامة.
ويكتسب التمييز بين المواطنة الشكلية والمواطنة الفعلية أهمية خاصة؛ فالأولى تمنح الحقوق، بينما الثانية تضمن ممارستها فعليًا.
وقد أشار فيليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان خلال بعثته إلى موريتانيا سنة 2019، إلى عدد من العوائق البنيوية التي يمكن أن تؤثر بشكل أكبر على بعض الفئات الهشة.
وعليه، تصبح القضية الأساسية أقل ارتباطًا بوجود الحقوق نظريًا، وأكثر ارتباطًا بإمكانية الوصول إليها عمليًا.
6. العدالة والإصلاحات البنيوية: تجاوز القوة الرمزية للقوانين
تشكل القوانين خطوة أساسية، لكنها لا تؤدي تلقائيًا إلى تحول اجتماعي عميق.
فقد شدد تقرير Enforcing Mauritania’s Anti-Slavery Legislation، الصادر بشكل مشترك عن منظمة مكافحة الرق الدولية ومنظمة حقوق الأقليات الدولية سنة 2017، على عدة تحديات، من بينها ضعف التوعية المؤسسية، وصعوبات تطبيق القوانين، ومحدودية حماية الضحايا، وبطء الإجراءات القضائية.
ويقدم بول ريكور إضاءة مكملة في كتابه الذاكرة والتاريخ والنسيان، حيث يوضح أن المجتمع لا يبني مصالحة مستدامة عبر محو الماضي، بل عبر الاعتراف الواعي به مصحوبًا بمسار حقيقي للعدالة.
ومن ثم، لا يمكن لأي إصلاح دائم أن يقتصر على الجانب التشريعي وحده، بل يتطلب أيضًا سياسات تعليمية واقتصادية واجتماعية قادرة على معالجة الأسباب العميقة للهشاشات التاريخية.
فقد تختفي اللامساواة من النصوص القانونية، لكنها قد تستمر في الحياة الاجتماعية بصورة صامتة.
الخاتمة: تحويل التاريخ إلى عدالة ومستقبل مشترك
تذكرنا قضية الحراطين بحقيقة أساسية مفادها أن المجتمع لا يتحرر بمجرد إعلان نهاية الظلم، بل يتحرر عندما يخلق الشروط الكفيلة بمنع إعادة إنتاجه في صور أخرى.
إن مستقبل موريتانيا لن يُبنى فقط من خلال المؤشرات الاقتصادية أو الإصلاحات الإدارية، بل سيُبنى أيضًا عندما يتمكن كل مواطن، بصرف النظر عن أصله الاجتماعي، من أن يجد نفسه بصورة كاملة داخل مؤسسات الدولة وفي صلب الوعد الوطني ذاته.
فالمجتمعات لا تصبح أقوى عندما تمحو تاريخها.
بل تصبح أقوى عندما تتعلم كيف تحوّل ذلك التاريخ إلى عدالة واندماج ومستقبل مشترك.
المراجع
الشيخ سيداتي حمادي
مستشار رئيس حركة إيرا بيرام الداه اعبيد، خبير أول في حقوق المجتمعات المتعرضة للتمييز على أساس النسب والعمل (GFOD)، وباحث متخصص في التمييزات البنيوية، ومحلل، وكاتب.
21 مايو 2026
—-
Lovejoy, Paul E. تحولات الرق: تاريخ الرق في إفريقيا، الطبعة الثالثة، مطبعة جامعة كامبريدج، 2012.
McDougall, E. Ann. الحراطين في موريتانيا: القرابة والزبونية والطبقة (المرجع الببليوغرافي الكامل بحاجة إلى تأكيد).
Leservoisier, Olivier. « إرث الرق في مجتمع الهالبولار في موريتانيا »، مجلة دفاتر الدراسات الإفريقية، المجلد 48، العددان 189–190، 2008، الصفحات 81–100.
Bourdieu, Pierre ; Passeron, Jean-Claude. إعادة الإنتاج: عناصر لنظرية نظام التعليم. باريس: منشورات مينوي، 1970.
Piketty, Thomas. رأس المال في القرن الحادي والعشرين. باريس: دار سوي، 2013.
Benhabib, Seyla. مطالب الثقافة: المساواة والتنوع في العصر العالمي. مطبعة جامعة برينستون، 2002.
Ricoeur, Paul. الذاكرة والتاريخ والنسيان. باريس: دار سوي، 2000.
Shahinian, Gulnara. تقرير المقررة الخاصة المعنية بأشكال الرق المعاصرة – بعثة إلى موريتانيا. مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، 2010.
Alston, Philip. تقرير المقرر الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان – بعثة إلى موريتانيا. الأمم المتحدة، 2019.
Anti-Slavery International & Minority Rights Group International. تطبيق التشريعات الموريتانية المناهضة للرق. لندن، 2017.