في الأيام الأخيرة، عبّر عدد من القادة الحراطين عن ردود فعل قوية إزاء سجن نشطاء من حركة « إيرا »، في ظروف وُصفت بأنها مثيرة للجدل على أقل تقدير. ومهما تكن التبريرات التي تقدّمها العدالة، فإن كثيرين يرون في ذلك إرادة واضحة للإذلال والتحقير والكسر والترهيب. وذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أن الأمر لا يعدو كونه محاولة لـ »إعادة هؤلاء إلى حجمهم الطبيعي »، بعد أن تجرأ مناضلون ومناضلات حراطين على تجاوز ما يُعدّ، في نظر البعض، خطوطاً حمراء تمسّ هيبة السلطة.
وإلى جانب المرارة التي تثيرها هذه القضايا القضائية، فإن ما يُدان في العمق هو انحراف أوسع يمسّ الحريات العامة بشكل عام. وهو انحراف يبدو أنه يستهدف، على نحو خاص، النضال الحرطاني، رغم مشروعية مطالبه، وهشاشته البنيوية وضعفه الموضوعي، إلا أنه يظلّ مصدر إزعاج للنظام الاجتماعي القائم ولحالة الجمود السياسي السائدة.
ويزداد هذا الاستهداف خطورة حين يبدو وكأنه مرفوق بحملة تشويه منظّمة تقودها أطراف تسعى إلى احتكار التمثيل السياسي للمكوّن الحرطاني. إذ تحاول هذه الأطراف استبدال خطاب كشف الزيف الذي يرفعه النضال الحرطاني بخطاب ديماغوجي يُقدَّم على أنه أكثر « وطنية » و »وحدوية ». وقد تبدو هذه النوايا في ظاهرها إيجابية، غير أنه يظل السؤال مطروحاً: على أي أساس يمكن لهذا الخطاب أن يصمد أمام واقع التمييز والتهميش والإفقار الذي يدفع أعداداً كبيرة من الحراطين إلى التماهي مع أوضاعهم، ومن ثم إلى تولّي زمام مصيرهم بأيديهم؟ إن الإرث العبودي، إلى جانب استمرار تخلّي الأنظمة السياسية المتعاقبة عنهم، لم يترك لهم عملياً خيارات أخرى.
ورغم هذا السياق الذي يُعدّ في جوهره استفزازاً من طرف النظام، فإن ردود فعل بعض القادة الحراطين، والتي يغلب عليها الإحساس بالعجز، لم تُظهر إرادة حقيقية لتجاوز الصراعات الضيقة والأنانيات التي تُضعف شرعية هذا النضال، وتفكك تعبئته، وتسيء في نهاية المطاف إلى القضية نفسها التي يُفترض أنهم يدافعون عنها. فبدلاً من أن تُنتج هذه التطورات صحوة جماعية وتماسكاً وحدوياً، فإن المزايدات التي برزت خلال الأيام الأخيرة تكشف، على العكس، عن سعي كل طرف إلى استثمار هذه الانحرافات القضائية المؤسفة لتحقيق مكاسب سياسية، خشية أن يفوته العائد الرمزي لصالح غيره.
وهكذا نرى نائباً من حزب السلطة، منشقّاً عن المعارضة، وناشطاً سابقاً في القضية الحرطانية، يتصدّر مشهد الهجوم على النظام والبرلمان. غير أن هذا النائب قد التحق بالنظام عن وعي كامل، وكان من الطبيعي أن يضطر إلى التكيّف مع العديد من التجاوزات الأخرى. فلماذا إذن هذا الموقف الاستثنائي في الإدانة؟
إنه في الحقيقة يعبّر عن حالة من الصراع الداخلي أمام هذه الانحرافات القضائية الصارخة. وإلى جانب الطابع الصادم والمثير لهذه المداخلة، فإن ما تكشفه في العمق هو ذلك القلق الأخلاقي العميق الذي يعيشه الحراطين داخل منظومة النظام، حتى وإن حاول كثيرون إخفاءه عبر تبنّي مواقف متناقضة أو لعب دور « محامي الشيطان ».
ويجدر التذكير بأن النظام السياسي الموريتاني، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، يتسم بالتمييز والفساد وسوء التسيير. وهو لذلك فاقد للمشروعية الأخلاقية والسياسية التي تؤهله لمعالجة القضية الحرطانية، التي تستدعي بالضرورة انتقالاً سياسياً حقيقياً. فالانخراط في هذا النظام لا يعني سوى تكريس استمرار سياسة ممنهجة من الإقصاء والتهميش ضد الحراطين.
وقد أثار هذا الخروج الإعلامي المثير للنائب الشاب موجة من ردود الفعل المتشنجة داخل صفوف القيادات الحراطينية.
وهكذا وصلت المزايدات إلى حد التلويح بالاستنجاد بالخارج لضمان حماية الحراطين. وبإلقاء هذا « الحجر في الماء الراكد »، يبدو أن صاحبه يسعى أساساً إلى تصدّر المشهد السياسي، ولو على حساب الانتقادات التي أثارها هذا الطرح. غير أن مثل هذا التهديد يبدو أقرب إلى التهويل، وغير شعبي، ومضرّ بالنتائج، كما أنه يمسّ بشكل غير مبرر بحساسية السيادة الوطنية، خاصة وأن القوى الخارجية لم تكن يوماً سوى مدافعة عن مصالحها الخاصة، التي لا تتطابق بالضرورة مع حماية الحراطين.
ومن بين هذه المظاهر النضالية، تبدو أكثرها غرابة — وربما أكثرها انتهازية — تلك الصادرة عن قائد مهووس برئاسة الجمهورية، يعيش منذ الآن حملة انتخابية دائمة استعداداً لعام 2029. ففي محاولة غير موفقة لكسب بعض شرائح الرأي العام، يسعى هذا الشخص إلى اتهام خصومه بـ »الطائفية »، متخلياً تدريجياً عن موقعه كقائد حرطاني، ومتقمصاً خطاباً متوازناً ظاهرياً بين اللاحزبية واللاطائفية، بحثاً عن شرعية سياسية مقبولة تؤهله للظهور كمرشح « منقذ » في الانتخابات المقبلة. غير أن المفارقة تكمن في أن أنصاره أنفسهم يتعرضون اليوم للقمع ويُحالون إلى القضاء بسبب نشاطهم الحرطاني المتحمس.
فهل يتبرأ منهم أيضاً؟ إنها بالفعل مفارقة غريبة لزعيم حرطاني يطمح إلى رئاسة الجمهورية، بينما يبني طموحه على أنقاض جزء من النخبة الحرطانية، ويطلب في الوقت نفسه أصوات الفئات الشعبية التي يدّعي أنه لا يمثلها. ويجدر التذكير بأن مثل هذه الحسابات السياسية الضيقة، المبنية على أوهام ظرفية، قد أدت في السابق إلى سقوط سياسي لاثنين من أسلافه في التاريخ القصير للنضال الحرطاني.
كلا، إن القضية الحرطانية تستحق أفضل من هذه التقلبات الانتهازية والمتناقضة. فهي اليوم بلغت مرحلة بالغة الحساسية والخطورة، في ظل استمرار ميزان القوى لصالح نظام يواصل نهجه القائم على التمييز والتفوق.
وفي هذا السياق، فإن الموقف الأكثر حكمة وواقعية يتمثل في تجاوز صراعات الزعامة والخلافات الداخلية، والالتفاف حول أولويات المرحلة، بل وربما التفكير في إطلاق دينامية جديدة أكثر شمولاً ووحدة.
لقد أصبحت القضية الحرطانية أكبر من أن تُختزل في حسابات ضيقة أو مزايدات سياسية تخدم أجندات شخصية.
إن أولئك الذين يتصدّرون المشهد بوصفهم قادة للحراطين، لكنهم لا يريدون أو لا يستطيعون أو لا يعرفون كيف يضحون من أجل توحيد الصف وخدمة القضية، عبر التخلي عن الأنانيات والمصالح المكتسبة على حساب ضحايا الإرث العبودي، يتحولون في النهاية إلى عوائق أمام حلّ هذه القضية.
وفي هذا السياق، فإن أي مقاربة غير شاملة تبقى غير مثمرة، وتحمل في داخلها بذور انقسامات خطيرة على الحراطين أنفسهم.
فأي جدوى من الاستمرار في تأليب الحراطين بعضهم ضد بعض، وتعريضهم لتعسف نظام يحتقرهم، ثم الصراخ لاحقاً من موقع العجز؟
لقد آن الأوان لاستعادة الوعي من أجل إعادة الشرعية والمصداقية والانسجام — بل والثقة قبل كل شيء — إلى النضال الحرطاني من أجل الحرية والانعتاق. لقد حان الوقت لكي يقوم هذا النضال بتنظيف بيته الداخلي، حتى يتمكن من كسب واستحقاق دعم القوى الحقيقية للتغيير.
ولمواجهة هذا التحدي، لا بد من نقاش داخلي جاد، ولا بد من مقاربة جديدة، ولا بد من عقلنة هذا النضال.
محمد داوود إميجين
14 مايو 2026
