Archives de catégorie : العربية

عندما تُضحّى بالمطالب المشروعة للحراطين على مذبح المجاملة، بين طموحٍ رئاسيّ وتمسّكٍ مستمرّ بنظامٍ اجتماعيّ متقادم

خلال زيارة مجاملة — أو حملة رئاسية مبكرة — قام بها الرئيس بيرام الداه اعبيد إلى العميد بويْديل ولد هميد، سمع هذا الأخير يكرر موقفه المعروف: مفاده أن الحراطين هم “بيظان” وأنهم لا ينفصلون عنهم. وليس في ذلك جديد، إلا أن العميد بويْديل ولد هميد يبدو هذه المرة أكثر إصرارًا على تبني موقف معارض لأي أفق لاستقلالية سياسية للحراطين. وهذا الإصرار يثير ثلاث ملاحظات.
1. إن العميد بويْديل ولد هميد — أطال الله في عمره — شخصية سياسية ذات مكانة وطنية مرموقة، تحظى باحترام عدد كبير من الموريتانيين، وخاصة الحراطين. وهو يُعدّ، دون شك، من أبرز رواد نضال الحراطين من أجل حريتهم وتمكينهم.
ويُعتبر من أبرز تجليات فكرة “البيظانية” لدى الحراطين، وهي الفكرة التي اختبرها بنفسه عبر تأسيس حزب سياسي وخوضه انتخابات رئاسية. وقد شكّل حلّ ذلك الحزب، إلى جانب النتائج التي حصل عليها في الانتخابات الرئاسية، حكمين رمزيين ودالّين على واقع هذه “البيظانية”.

غير أن هذين الحكمين يظلان متباينين في دلالتهما: فبالنسبة للبيظان، لا تعني بيظانية الحراطين سوى إدماجهم واحتوائهم؛ أما بالنسبة للحراطين، فإنها باتت تتراجع وتتآكل مع تطور وعيهم السياسي والتاريخي.

Continuer la lecture

من_المعلوم إلى العميد والرئيس ولد الزحاف العدالة المشروطة بالتنمية تأجيل مقنَّع للظلم

افتتح العميد ولد الزحاف مقاله بالإقرار بوجود  الرق ومخلفاته؛ ثم سرعان ما يذيبه في « التحول الاجتماعي التدريجي » و »العوامل المتعددة »؛ متغافلا عن أن هذا بالضبط ما فعله المدافعون عن الفصل العنصري في أمريكا حين قالوا: « التغيير يحتاج وقتا »، وهو نفسه ما قاله المستعمر الفرنسي حين قال: « الأهالي غير مستعدون للحرية بعد »
السؤال الذي يتهرب منه العميد ولد الزحافة: كم من سنة يتطلبها التحول؟؛ خاصة وأن العبودية  أُلغيت رسميا في موريتانيا عام 1981، كآخر دولة في العالم، ثم جرمت عام 2007؛ ثم اعتبرت جريمة لا تسقط بالتقادم في التعديلات الدستورية خلال فترة عزيز ؛  فأين التحول الذي يتحدث عنه؟ الأرقام الصادرة عن المنظمات تشير إلى أن موريتانيا تحتل مراتب متقدمة في مؤشر العبودية الحديثة عالميا؛ إضافة لذلك لا وجود لمخلفات بل بنى حية نابضة ومستمرة ؛ ويجب أن تتوقف سردية المخلفات فما يعاش بنى متوارثة من البنى التقليدية إلى الفترة الاستعمارية ثم دولة 1960 ; التي ورثت ما ورثته ؛ وهي الدولة ذاتها التي يسيطر على مفاصلها من استفادوا تاريخيا من منظومة الرق؟في البرازيل قالوا « التنمية ستحل مشكلة العنصرية »، فجاءت التنمية وبقي السود في القاع؛ الحل لم يأت إلا بسياسة إجراءات خلصة  صريحة وواضحة وهادفة.
لماذا لم تطالبوا تطبيق فعلي لقانون تجريم العبودية؛ وبرامج تعويض وجبر لضحايا العبودية؛ وعدالة انتقالية تعترف بالجرح التاريخي؟!
هل يعقل يا أستاذنا ولد الزخاف أن نطلب من  ضحايا العبودية الانتظار ريثما تنضج الشروط الاقتصادية والاجتماعية؛ يأبى الواقع والمنطق إلا أن يقول لكم أنه لا يمكن تأجيل العدالة مطلقا إلى أجل غير مسمى ؛ فمتى كانت التنمية شرط  للاعتراف بإنسانية المظلومين؟
يتواصل

الرقّ وقضية الحراطين في موريتانيا: بين الإرث التاريخي والمواطنة ومتطلبات العدالة

ضية تقاوم الإنكار والقراءات التبسيطية
هناك قضايا تعبر الأجيال دون أن تغادر فعليًا الفضاء العام. فهي تغيّر لغتها، وتتنقل بين النقاشات السياسية، وتظهر مجددًا في أشكال جديدة، لكنها تستمر بصمت في الإقامة داخل البنى العميقة للمجتمعات. وتندرج قضية الرق وقضية الحراطين في موريتانيا ضمن هذه الحقائق التاريخية التي لا تزول آثارها لا بفعل الزمن وحده، ولا بمجرد الإعلانات المؤسسية.
ولا شك أن هذه القضية تُعد من أكثر القضايا حساسية وإثارة للنقاش، بل ومن أكثرها عرضة لسوء الفهم في السجال الوطني. وغالبًا ما تنقسم المواقف المتباينة بشأنها إلى قراءتين متعارضتين؛ فمن جهة، يرى بعضهم أن القضية أصبحت جزءًا من الماضي بحجة أن الدولة اعتمدت نصوصًا قانونية وأقامت آليات مؤسسية لمحاربة ممارسات الرق. ومن جهة أخرى، يميل البعض أحيانًا إلى جعل هذه القضية التفسير الوحيد لجميع الانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
غير أن الواقع بين هذين الموقفين أكثر تعقيدًا؛ فهو واقع مجتمع لا يزال يسعى إلى بناء قراءة واعية ودقيقة ومتوازنة لإرثه التاريخي.
فلا توجد أمة تبني مستقبلها بصورة مستدامة على إنكار ماضيها، كما لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى أسيرًا لتاريخه. فالقضية ليست قضية نسيان أو تحميل مستمر للمسؤولية، بل تتعلق أساسًا بالقدرة الجماعية على فهم الكيفية التي تستمر بها بعض البنى الموروثة في التأثير على الواقع المعاصر. Continuer la lecture

قد آن الأوان لكي يُنظّف النضال الحرطاني بيته من الداخل

في الأيام الأخيرة، عبّر عدد من القادة الحراطين عن ردود فعل قوية إزاء سجن نشطاء من حركة « إيرا »، في ظروف وُصفت بأنها مثيرة للجدل على أقل تقدير. ومهما تكن التبريرات التي تقدّمها العدالة، فإن كثيرين يرون في ذلك إرادة واضحة للإذلال والتحقير والكسر والترهيب. وذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أن الأمر لا يعدو كونه محاولة لـ »إعادة هؤلاء إلى حجمهم الطبيعي »، بعد أن تجرأ مناضلون ومناضلات حراطين على تجاوز ما يُعدّ، في نظر البعض، خطوطاً حمراء تمسّ هيبة السلطة.

وإلى جانب المرارة التي تثيرها هذه القضايا القضائية، فإن ما يُدان في العمق هو انحراف أوسع يمسّ الحريات العامة بشكل عام. وهو انحراف يبدو أنه يستهدف، على نحو خاص، النضال الحرطاني، رغم مشروعية مطالبه، وهشاشته البنيوية وضعفه الموضوعي، إلا أنه يظلّ مصدر إزعاج للنظام الاجتماعي القائم ولحالة الجمود السياسي السائدة. Continuer la lecture