
بقلم: الشيخ سيديتي حمادي
21 فبراير 2026
ثمة فرق جوهري بين التحليل السياسي والسجال التقريبي. فالأول يقتضي منهجًا، ودقةً مفاهيمية، وإحاطةً بالمراجع، ومواجهةً للوقائع، بينما يكتفي الثاني بالمؤثرات البلاغية، والاتهامات الإيحائية، وتغليفٍ شبه تحليلي. والكتيّب العدائي الموقّع باسم محمد محمود ولد بكر يدّعي الانتماء إلى الفئة الأولى، لكنه يندرج – للأسف – ضمن الثانية. وعند قراءة متأنية لهجومه على بيرام الداه اعبيد، تبرز حقيقة واضحة: الكاتب يوظّف معجم علم السياسة دون أن يمتلك أدواته، ويستبدل التلميح بالبرهنة، ويخلط بين الولاء الوطني والصمت النقدي. الأمر ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل هو ضعف منهجي صارخ.
1. الوهم الانتخابي بوصفه دليلًا ديمقراطيًا :
تقوم حجته المركزية على فكرة تبسيطية مفادها أنه ما دام بإمكان معارض أن يترشح لانتخابات ويحصل على نتائج معترف بها، فلا يمكن وصف النظام بالقمعي. تبدو الحجة بديهية، لكنها هشّة نظريًا، إذ كما يبيّن ستيفن ليفيتسكي ولوكان واي في كتابهما السلطوية التنافسية: الأنظمة الهجينة بعد الحرب الباردة (منشورات جامعة كامبريدج، 2010)، فإن وجود انتخابات تنافسية قد يتعايش مع اختلالات بنيوية عميقة، مثل السيطرة غير المتكافئة على المؤسسات، والضغط الإداري، والقيود غير المباشرة على المعارضة. وبالمثل، يذكّر روبرت دال في التعددية: المشاركة والمعارضة (جامعة ييل، 1971) بأن الديمقراطية لا تختزل في التعددية الانتخابية، بل تفترض تكافؤًا في فرص التنافس السياسي، وحريات عامة فعلية، ومساواة حقيقية أمام القانون. إن وجود صناديق الاقتراع لا يكفي لحسم النقاش؛ فالسؤال هو في أي شروط بنيوية تمارس المنافسة السياسية، وهي دقة يغيب أثرها في هذا الركام البلاغي.
2. المرافعة الدولية والتجذر الوطني :
لقد بلغت شخصيات سياسية عديدة الاعتراف الوطني من خلال الجمع بين الفعل الداخلي والمرافعة الدولية. وتُظهر مسارات نيلسون مانديلا، وفاتسلاف هافل، وليخ فاونسا أن حشد الدعم الخارجي لا يلغي التجذر الوطني. وكما أوضحت حنّة آرنت في أصول الشمولية (1951)، فإن حماية الحقوق الأساسية لا يمكن أن تنحصر في الإطار الوطني، لأن مسألة حقوق الإنسان تتجاوز حدود الدولة. ومن ثم فإن مساواة أي منبر دولي بولاء أجنبي يعكس رد فعل دفاعيًا أكثر مما يعكس تحليلًا جادًا. ففي عالم مترابط، تندرج معايير حقوق الإنسان ودولة القانون ضمن أطر متعددة الأطراف انضمت إليها موريتانيا بإرادتها، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981)، وهذه الصكوك لا تشكل أدوات تفكيك بل التزامات سيادية، وهي حقيقة تفضّل هذه الكتابة الكاريكاتورية تجاهلها.
3. استراتيجية نزع الشرعية :
الانزلاق البلاغي المتمثل في توصيف المعارض ضمنيًا بأنه وكيل أو أداة لقوى غامضة هو استراتيجية كلاسيكية لنزع الشرعية. وقد بيّن بيير روزنفالون في الديمقراطية المضادة (منشورات سوي، 2006) أن الديمقراطية الحديثة تقوم أيضًا على آليات المراقبة المواطِنة واليقظة والاعتراض، وهي آليات لا يمكن مساواتها بالخيانة. إن تحويل النقد إلى شبهة أخلاقية يعني نقل النقاش من مستوى الأفكار إلى مستوى النيات المفترضة، وهو ما يعكس عجزًا عن مواجهة الحجج في جوهرها أكثر مما يشكل برهانًا. وهذه الطريقة، الأقرب إلى السجال منها إلى التحليل، تبدو تمرينًا في الهجاء يعتمد على الأثر بدل الدليل.
4. تسامح أم دولة قانون ؟
إن الحجة القائلة إن الدولة تستطيع، في لمح البصر، سجن معارض لكنها تختار ألا تفعل بدافع التسامح تكشف تصورًا ما قبل ديمقراطي للسلطة. فقد أوضح مونتسكيو في روح القوانين (1748) أنه لكي لا يُساء استعمال السلطة، ينبغي أن توقف السلطةُ السلطةَ، ما يعني أن الحرية السياسية تقوم على البنية المؤسسية وفصل السلطات، لا على حسن نية الحكّام. والخلط بين الامتناع عن القمع وبين الضمانة المؤسسية يعكس رؤية عمودية للسلطة، في حين يذكّر ريمون آرون في الديمقراطية والشمولية (1965) بأن الديمقراطية تنظّم الصراع وتعترف بتعدد القوى السياسية باعتباره أمرًا طبيعيًا ومشروعًا. فالمعارضة لا تُتسامح معها منّةً، بل هي عنصر مكوّن للنظام ذاته، وهو مبدأ أولي يبدو أن هذا الكتيّب المتنكر في هيئة تحليل يتجاهله.
5. الاعتراف الدولي والشرعية :
إن التشكيك في الجوائز أو الاعترافات الدولية التي يحصل عليها فاعل سياسي ينبع من سوء الفهم ذاته. فالتاريخ المعاصر يبيّن أن جوائز مثل ساخاروف (1988، البرلمان الأوروبي) أو نوبل للسلام (1901) سبقت في كثير من الأحيان تحولات داخلية كبرى، ومنحها لا يعني خيانة ولا عصمة مطلقة، بل يدل على أن بعض القضايا الوطنية يتردد صداها خارج الحدود. وقد بيّن روبرت كيوهان وجوزيف ناي في السلطة والاعتماد المتبادل (1977) أن العلاقات الدولية الحديثة تتسم بالاعتماد المتبادل المعقّد وبالتأثير المتزايد للفاعلين غير الدولتيين، ما يجعل القول إن الشرعية السياسية ينبغي أن تبقى محلية حصريًا قولًا متهافتًا.
6. ضعف منهجي صارخ :
يكمن ضعف هذا الطرح في منهجه، إذ يستبدل النية المفترضة بالتحليل الوقائعي، دون أي بيانات تجريبية دقيقة، أو مرجع قانوني محدد، أو إحصاءات قابلة للتحقق. وكما يذكّر خوان لينز وألفرد ستيبان في مشكلات الانتقال الديمقراطي وترسيخه (1996)، فإن ترسيخ الديمقراطية لا يُقاس فقط باعتماد المعايير القانونية، بل بمدى استبطانها مؤسسيًا وتطبيقها الفعلي، وهي المتطلبات التحليلية التي تغيب هنا تحديدًا.
7. المعضلة الزائفة: الوطنية في مواجهة النقد
إن الثنائية بين وطنيين وعملاء، بين الاستقرار والنقد، بين الأمة والخارج، تبسّط واقعًا معقدًا إلى حد مخلّ. وقد أظهرت أعمال يورغن هابرماس في التحول البنيوي للمجال العمومي (1962) أن التداول الديمقراطي يتجاوز الإطار الوطني الصرف ويدخل في ديناميات عابرة للحدود. وإنكار هذا البعد يعني تحليل السياسة المعاصرة بأدوات متقادمة. وما يضعف الأمة ليس النقد الصادر في الخارج، بل العجز عن الرد عليه بالحجج. فالديمقراطية الواثقة من نفسها تُحاجج، وتبرهن، وتُصلح بدل أن تُشكّك وتُوصم.
8. المعيار الحقيقي للنضج الديمقراطي :
إن المصداقية الديمقراطية لدولة ما لا تُقاس بحدة الهجوم على معارضيها ولا بإنتاج نصوص لاذعة متنكرة في هيئة خبرة، بل تُقاس بصلابة مؤسساتها، واستقلال قضائها الفعلي، وحمايتها الملموسة للحريات، وقدرتها على استيعاب المعارضة دون تجريمها رمزيًا. فعظمة الدولة تكمن في قدرتها على مواجهة الحجج على أرضية القانون والوقائع والمبادئ. ويُظهر التاريخ السياسي أن الأنظمة الراسخة لا تخشى التناقض، بل تحوّله إلى رافعة للتحسين. وعلى هذا المستوى من الصرامة الفكرية، والاتساق المؤسسي، والنضج الديمقراطي، ينبغي أن يتموضع أي تحليل جاد. وما عدا ذلك لا ينتمي إلى علم السياسة بل إلى الأدب الظرفي.
Traduction arabe de l’article suivant : https://haratine.com/Site/?p=21742
